الشيخ محمد الخضري بك

170

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

3 - أن يرجع النبي من غير عمرة هذا العام ، ثم يأتي العام المقبل فيدخلها بأصحابه بعد أن تخرج منها قريش ، فيقيم بها ثلاثة أيام ليس مع أصحابه من السلاح إلّا السيف في القراب والقوس 4 - من أراد أن يدخل في عهد محمّد من غير قريش دخل فيه ، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه ، فقبل عليه الصلاة والسلام كل هذه الشروط . أما المسلمون فداخلهم منها أمر عظيم ، وقالوا : سبحان اللّه ! كيف نرد إليهم من جاءنا مسلما ، ولا يردون من جاءهم مرتدا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إنه من ذهب منّا إليهم فأبعده اللّه ، ومن جاءنا منهم فرددناه إليهم ، فسيجعل اللّه له فرجا ومخرجا . أما الأمر الثالث وهو صدّ المسلمين عن الطواف بالبيت فكان أشدّ تأثيرا في قلوبهم لأنّ الرسول أخبرهم أنه رأى في منامه أنهم دخلوا البيت آمنين وقد سأل عمر أبا بكر في ذلك فقال رضي اللّه عنه : وهل ذكر أنّه في هذا العام « 1 » ؟ ثم كتبت شروط الصلح بين الطرفين ، وكان الكاتب علي بن أبي طالب ، فأملاه عليه الصلاة والسلام : بسم اللّه الرحمن الرحيم فقال سهيل : اكتب باسمك اللّهمّ « 2 » فأمره الرسول بذلك ، ثم قال : هذا ما صالح عليه محمّد رسول اللّه ، فقال سهيل : لو نعلم أنك رسول اللّه ما خالفناك اكتب محمّد بن عبد اللّه فأمر عليه الصلاة والسلام عليا بمحو ذلك وكتابة محمد بن عبد اللّه ، فامتنع فمحاها النبي بيده ، وكتبت نسختان نسخة لقريش ، ونسخة للمسلمين . وبعد كتابة الشروط جاءهم أبو جندل « 3 » بن سهيل يحجل في قيوده « 4 » ، وكاد من المسلمين الممنوعين من الهجرة ، فهرب للمسلمين هذه المرة ليحموه ، فقال عليه الصلاة والسلام : اصبر واحتسب ، فإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ،

--> ( 1 ) وفي غير رواية ابن إسحاق أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعمر : إني عبد اللّه ولست أعصيه ، وهو ناصري ، وأنه أتى أبا بكر فقال له مثل ما قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فجاوبه أبو بكر مثل ما جاوبه به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حرفا بحرف ، ثم قال له : يا عمر الزم غرزه ( أي اتبع قوله وفعله ولا تخالفه ) فإني أشهد أنه رسول اللّه ، قال عمر : وما شككت منذ أسلمت إلا تلك الساعة . ( 2 ) كلمة كانت قريش تقولها وأول من قالها أمية بن أبي الصلت . ( 3 ) هو العاصي بن سهيل كان من السابقين إلى الإسلام ، وممن عذب بسبب إسلامه ، وذكره أهل المغازي فيمن شهد بدرا ، وكان قبل مع المشركين فانحاز إلى المسلمين ثم أسر بعد ذلك ، وعذب ليرجع عن دينه ، ثم لما كان في فتح مكة كان هو الذي استأمن لأبيه ، واستشهد باليمامة وهو ابن 38 سنة . ( 4 ) يرفع رجله ويتريث في مشيه عليها .